|
|
|
| كاريكاتيـــر |
|
|
|
|
| |
|
|
| |
|
|
|
في الأحياء العشوائية واحياء المخالفات.. للحياة طعم آخر:
(عدد مرات القراءة:253) |
في الأحياء العشوائية واحياء المخالفات.. للحياة طعم آخر
خالد سميسم - النور
19/ 12/ 2009
(هل تعتقدون أن باستطاعتنا تأمين (مؤونتنا) هذا العام من زيت الزيتون؟ على الأرجح لا، وإذا ما وجد معنا بعض النقود، فربما سنشتري (تنكة) واحدة، أو ربما سنستدينها. لكننا بكل تأكيد، سنقوم بخلطها بالزيت الأبيض)، قالها محمد الشواف بحرقة وتنهد، وهو رب أسرة مؤلفة من طفلين وأمهما، ويعيش في منزل صغير يقع على الأطراف القصية من حي القابون بدمشق، وتحديداً في الجزء المخالف منه. حكاية الشواف تلقى صداها في آلاف الأسر القابعة تحت الخط العشوائي، وفي طيات السطور القادمة:
بصدق هذا هو الحال
يضيف الشواف: (إن معظم ما نسمعه ونشاهده على التلفزيون عن زيادة الرواتب أو المحافظة على الأسعار، أو حتى بيوت السكن الشبابي، أو تلك القروض التي تمنحها مكافحة البطالة، كل تلك القصص لا تعنيني لا من قريب ولا من بعيد، لأني لست موظفاً، وأعمل على عربة لبيع الخضار، فلا يوجد تاجر يكفلني، وبيتي مستأجر. كذلك لا أستطيع تأمين أي دفعة للسكن الشبابي. وكلما رغبنا أنا وزوجتي أن نضع (مونة) في بيتنا، وخاصة قبل فصل الشتاء، تبدأ معها مشاكلي حول قلة الحيلة. فشراء الزيت بصدق هو (مشروع) بحد ذاته، وإذا ما أردنا أن نأكل طبخة فيها لحمة عملنا لها حفلة خاصة. أنا من الناس الذين يعملون ليطعموا أولادهم كل يوم بيومه، كما يقولون. وطبعاً لست وحدي، إذ يوجد الكثيرون ممن لا يحسبون ضمن أي مشروع له علاقة بهذا البلد. وأتساءل: هل المواطن في سورية هو فقط الموظف؟ وهل نحن مواطنون من الدرجة الثالثة، لأننا غير موظفين عند الدولة؟ وهل الحكومة تحدد أسعار كل شيء حسب دخل الموظف؟ ألا تعرف الحكومة أن حالة أمثالي أسوأ من حالة أي موظف في سورية؟!
يا سعد الموظف!
لكن ما علاقة الموظف بموضوع العشوائيات؟ أجاب محمد: (لأني كثيراً ما أسمع من الناس: إن هذا الرجل موظف، وحالته المادية بالويل. هذا الكلام لم يعد موجوداً الآن، فهناك آلاف الأسر، وحتى الشباب لا يجدون وظيفة، ولا أي عمل. ألم تسألوا أنفسكم كيف يعيشون؟ كيف يأكلون؟ ومن أين؟، فالموظف يعدّ وضعه راقياً بالنسبة لغيره هذه الأيام).
كله مثل كله
على ما يبدو أن عدداً لا بأس به من سكان الأحياء الشعبية المنتشرة حول دمشق، وكذلك عدد كبير من سكان الريف يعملون بأعمال ليس لها دخل ثابت. إذ لا تستطيع أي عائلة أن تختار نظاماً غذائياً محدداً لها، أو تعمل على إنجاز (مشاريع) حياتها التي تبدو صغيرة للبعض. فأقوال بعض الأسر في تلك الأحياء تبين أن الكثير من المواد الغذائية الضرورية لا يحصلون عليها، وغالباً ما يستبدل بها نوع رخيص، ومغاير، حتى لو لم يكن يتمتع بمواصفات صحية وغذائية جيدة، وفي هذا يشترك الموظفون وغيرهم من تلك الفئة الفقيرة، وربما المُعدِمة.
القطن بدل الزيتون والسوداني بدل الجوز
تقول أم جلال، وهي ربة منزل تعيل أسرة مؤلفة من سبعة أفراد، معظمهم غير منتج: أنا أعمل (مستخدمة) في إحدى المدارس، ولا يتجاوز راتبي الشهري خمسة آلاف ليرة سورية، لكن رغم ذلك (أعيش ..)، وعندما أتسوق الخضار من السوق، لا أذهب في الفترة الصباحية لأن الأسعار تكون مرتفعة الثمن، فأنا أقصد السوق بعد الظهر، وأشتري الأنواع الباقية من الخضار، بسعر رخيص جداً. وإذا ما عملت (مكدوساً) أضع الفستق السوداني بدلاً من الجوز، وزيت القطن بدلاً من زيت الزيتون. أما عن الطعام الذي فيه لحوم، فأنا أشتري نصف كيلو غرام شهرياً، وكل فترة أضع القليل منه في طبخة محددة، ورغم ذلك في بعض الأحيان أستدين من البقالية القريبة؛ ولكن ديوني لا تتجاوز الخمسمئة ليرة سورية، لكي أستطيع تسديدها في آخر الشهر.
الجمعيات الشهرية طريق الخلاص
أما ما يتعلق بتلك العائلات التي لا تتمتع بدخل ثابت، وخاصة تلك التي تعيش في مناطق المخالفات حول دمشق، ونتيجة للوضع المعيشي الصعب، فقد حصل نوع من التكيف مع هذا الواقع، وصارت هذه العائلات تلتف على فقرها وقلة حيلتها بالاشتراك في الجمعيات الشهرية التي تدار بين الجيران أو المعارف، التي تعدّ أشبه بمصارف خاصة لهؤلاء الفقراء، مهمتها تأمين مبلغ من أجل شراء شيء ضروري للبيت، أو من أجل رد بعض الديون المتراكمة، أو من أجل توفير مستلزمات ونفقات خطبة لأحد الأبناء أو البنات، وغيرها من الظروف التي تتعرض لها هذه الأسر ولا تجد وسيلة لتأمين النقود.
لغة العشوائيات الخاصة
بسهولة يمكن رصد لغة خاصة في تلك الأحياء تدل على أثر ووطأة تكاليف الأعباء المعيشية اليومية، كذلك يلاحظ استخدام مصطلحات معينة مثل: (الله بدبرها هذا الشهر... استدن من أخيك...ما حدا بديّن حدا هذه الأيام)، وكذلك كتابة أصحاب المحال التجارية الصغيرة (البقاليات) الموجودة للكثير من العبارات على قطعة كرتون تشير إلى ضرورة عدم الإحراج وطلب الاستدانة، ومنهم من أضاف عبارة (خاصة للأصدقاء)، مثل أبي جمعة الذي يقع محله في منطقة الحجر الأسود، الذي قال عن سر تلك الكتابة في أغلب المحلات قائلاً: لا بد منها، وكبرهان على ضرورتها: دفتر الديون، فهذه الدفاتر فيها ديون تتجاوز أكثر من خمسين ألف ليرة سورية، ولا أحد يسدد، لكن بصدق رغم كل ما نكتبه لا نستطيع أن نُخجل أحداً. فبعض جيراننا المساكين يضطرون أحياناً لاستدانة (شعيرية) بعشر ليرات فقط، والبعض الآخر يستدين سمنة، وأيضاً ملح، وأشياء بسيطة لا تخطر على بال، فهل يعقل أن نقوم بتخجيلهم وردهم من أجل عشر ليرات؟ لكن إذا ما استمررنا في الدين نخسر، وإذا رفضنا نخجل من أنفسنا وكذلك نخسر، إنها مصلحة تحتاج إلى الصبر.
باب الخزانة مشروع كبير
الاستدانة موجودة في تلك الأحياء، والكثير من العائلات تسير أغلب أمورها بتلك الطريقة، فإضافة إلى استدانة المواد الغذائية، هناك أيضاً محلات الملابس التي لا تخلو من دفتر للديون، وحتى أغلب المشاريع التي تنجزها العائلات تدخل في كثير من الأحيان في باب الاستدانة. فالبعض يريد أن يضع باباً حديدياً أو نافذة أو ربما شراء خزانة، حتى هذه الأشياء التي تبدو بسيطة للبعض وعادية، تعدّ لهذه الأسرة (مشروعاً) كبيراً. وغالباً ما تتحايل على أمرها وظروفها من خلال دفع سلفة صغيرة في البداية، ويدفع الباقي على أقساط طويلة. والسؤال هنا هل تأخذ الحكومة بالحسبان هذه الشريحة الواسعة من الناس؟ وهل تفكر بحل أوضاعهم المعيشية عن طريق إقامة مشاريع أو خطط خاصة بهم؟ وهل توجد دراسة اقتصادية ما قامت بها جهة ما لتحديد أعداد تلك الشريحة ومداخيلها الحقيقية، دون أي مبالغات أو تجميل؟ وهل وقفت عند احتياجاتها؟ خاصة أن هذه الشرائح لا تستطيع مجرد التفكير بالتقدم لأي عرض له علاقة بمكافحة البطالة، أو أي قرض كان، أو أي مشروع يمكن أن ينتشلها من تلك الأوضاع المتردية، أو حتى التفكير بأي معاملة مع دوائر الدولة. ولهذا يعتقدون أنهم لن يجنوا أي فائدة، وأنها مخصصة للبعض دون سواه. |
|
|
|
|
|
|
|
| إعلانات |  | |
|
|
|
|
|
|